محمد متولي الشعراوي

2600

تفسير الشعراوى

وهم في الألم سواء ، ولكن الاختلاف هو أن المؤمنين يرجون ما لا يرجوه الكافرون ، إن المؤمنين يعلمون لحظة دخولهم الحرب أن اللّه معهم وهو الذي ينصرهم ومن يمت منهم يذهب إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، وهذا ما لا يرجوه الكفرة . والحق سبحانه وتعالى يطالب الفئة المؤمنة التي انتهت قضية عقيدتها إلى الإيمان بإله واحد ؛ هو - سبحانه - أنشأهم وخلقهم وإليه يعودون ، وهذه القضية تحكم حركات حياتهم ؛ إنه - سبحانه - يطالبهم أن يؤدوا مطلوبات هذه القضية ، وأن يدافعوا عن هذه العقيدة التي تثبت للناس جميعا أنه لا معبود - أي لا مطاع - في أمر إلا الحق سبحانه وتعالى . وحين تحكم هذه القضية أناسا فهي توحد اتجاهاتهم ولا تتضارب مع حركاتهم ، ويصبحون جميعا متعاونين متساندين متعاضدين ؛ لذلك جعل اللّه الطائفة المؤمنة خير أمة أخرجت للناس ؛ لأن رسولها صلّى اللّه عليه وسلّم خير رسول أرسل للناس ، وطلب الحق من أهل الإيمان أن يجاهدوا الكافرين والمنافقين لتصفو رقعة الإيمان مما يكدر صفو حركة الحياة . والحق يعامل خلقه كبشر ، إنّه خلقهم ويعلم طبائعهم وغرائزهم ولا يخاطبهم على أنهم ملائكة ، وإنما يخاطبهم على أنهم بشر ، وهم أغيار ، ومن الأغيار أن يصفو لهم أمر العقيدة مرة ، وأن تعكر عليهم شهواتهم صفو العقيدة مرة أخرى ؛ لذلك يؤكد لهم أن طريق العقيدة ليس مفروشا بالرياحين والورود ، وإنما هو مفروش بالأشواك حتى لا يتحمل رسالة الحق في الأرض إلا من صبر على هذه البلايا وهذه المحن . فلو كانت القضية على طرف الثمام « 1 » أي سهلة التناول لا مشقة في الحصول عليها وتدرك بدون آلام وبدون متاعب فسيدعيها كل إنسان ويصبح غير مأمون على حمل العقيدة . من أجل ذلك لم ينصر اللّه الإسلام أولا ، إنما جعل الإسلام في أول أمره ضعيفا مضطهدا ، لا يستطيع أهله أن يحموا أنفسهم ، حتى لا يصبر على هذا الإيذاء

--> ( 1 ) الثمام : عشب لا يطول له زهر يسهل أخذه وقطفه .